خمسون
Posté le 30.08.2007 par ouhebboukayachaabatounes

مسرحيّة "خمسون" للفاضل الجعايبي و جليلة بكّار
و تنهال عصا قدّور على "أجساد رهائن "
المكان هو "بلاد في الحجم صغير" و لكن في الإسم كبير و الزمان هو خمسون بعدد السنين لو أردنا إعتبار الحساب أما الحدث فهو اللقاء على خشبة المسرح ليجد المتفرج نفسه هذه المرة أمام مسرح سياسي يأبى الكثير أن يطلق عليه هذا الاسم فيكون مصطلح طرح و مناقشة القضايا العامة جزء مهم في رسالة الفنان المسرحي و كذلك المسرح الذي سيظلّ على الرغم من اختلاف الأزمان المتنفس بدرجات متفاوتة و حسب مساحة الحرية التي يجدها .
فمسرحية خمسون للفاضل جعايبي إخراجا و جليلة بكار نصّا تعتبر عملا جريئا يحسب لهما في مسيرة الأعمال الفنية خاصة و أن المسرحية قد كثر حولها الجدل قبل تمكينها من تأشيرة العبور .
و تعود أمل إلى أرض الوطن تونس حاملة زهدا و تصوفا دينيا نهلت حلاوته في باريس بين حلقات الشيوخ و المفسرين الإسلاميين ضاربة عرض الحائط بموروث ماركسي تلقّّت أسسه من والديها المناضلين اليساريين ، تعود أمل متحجّبة متلحّفة في جلبابها في شوق إلى أهلها بعد أن أنهت دراستها الجامعية ليحتفى بها في بهو المطار بعد رسالة وجّهت إلى مصالح الأمن الداخلي من قبل الفرنسيين روتين لابدّ من فرضه على كل من تسوّل له نفسه الإخلال بالواجبات تجاه وطنه الأم و لعلّ قساوة التّرحاب لم تكن أشدّ قسوة ووقع على أمل بقدر ما لقيته من عائلتها من رفض و امتعاض فالأم المتشبّثة بالمبادئ اليسارية صدمت لرؤية إبنتها على ذلك المظهر و وصفتها بصورة الأخوات "الببّاصات " ) Les soeurs (
أما الأب المناضل على مادية ماركس و زحف الطبقة الصاعدة فقد رفض رؤية إبنته فلذة كبده ليخلط مفهوم أن تحب جزءا من كيانك بمثل شدّدت عليها أمل بأن تصفها بأنها وهم و زائلة فتشبّعها برياحين تفاسير أهل الجنان و أصحاب الرضوان جعل من أدائها المسرحي غاية في الروعة على خشبة المسرح لتهيم في تخميرتها على طريقة الدراويش و تصعد بالمتفرج شيئا فشيئا نحو عالم بعيد عن كل ما هو مدنّس و زائل في مناجاة لخالق الكون دون سواه, كوريغرافيا من تصاميم نوال إسكندراني و التي أضفت على آداء المجموعة طابعا خاصا من حيث الإنسجام و التكامل . غير أن ما زاد النص رونقا هو عدم التعسّف عليه أو كما يقال إعدام الفكرة التي يحملها فبعد رفض الأم و صدّها لابنتها يتحرك جانب الأمومة لينطق بما لم يستطع الأب يوسف المناضل اليساري عن النطق به عند تلقّيه لرسالة إبنته و صورتها متحجّبة و تصرخ الام صرخة رافضة بشدّة أن تكون جسدا رهينة لتطرّف دينيّ متشدّد و تطرّف يساري رافض للإختلاف أو حتى الحوار و كأنني بصاحبة النص أرادت القول بأن المشكل وأصل المأساة نابع عن انعدام لغة الخطاب و التّحاور و التّواصل سواء كان ذلك مع الذات أو مع الآخر فحرّية التعبير و طرح القضايا بأسلوب حضاري بعيد عن المغالطات و المزايدات هو ما تحتاجه مجتمعاتنا كي لا تتسرّب لها النماذج المعقدة المفاهيم فكلّنا يحبّ البلاد كما لا يحبّ البلاد أحد و كلّنا يحبّ بناء مستقبل تونس إلى ماهو أفضل .
بقيت صرخة يوسف رهينة جسد ناضل لسنين و لعلّ إختيار سرطان الحنجرة من قبل صاحبة السيناريو ليس مصادفة و في المقابل و على طريقة الكورّيدا أو مصارعة الثيران تنطلق أمل و كلّ من رفيقتيها في حلقات التفكير لإطلاق العنان إلى إسلام جديد يسمح لنفسه أن يكفّر أمّ دفعت عائلتها الثمن غاليا بين الإيقافات و السّجون فمن أب إنتمى إلى الحركة اليوسفية و شمله الإضطهاد إلى أخ غبن في سجون 9 أفريل و برج الرومي دون احتساب سلسلة الايقافات و الشهور التي قضّتها الأمّ في السجن كذلك ها هي تشهد اليوم و تعيش صدمة و صاعقة تتمثّل في نزول إبنتها أمل ضيفة مكرّمة على جلاّدي آبائها و أعمامها و أخوالها و أصحابها في الكفاح لترسم لنا المسرحية منعرجا حاسما في تاريخ المجتمع التونسي و الذي لا يزال حديث العهد بنشاز طرأ على نوتته إثر أحداث تبنّتها جماعة سلفيّة ترمي على عاتق الدّين الإسلامي المتسامح كل تطرّفها, غير أنّ معالجة و مواجهة الإختلاف كان دائما متشدّدا دون هوانة في الحساب ليعوّض "الزّملاء شارع الحبيب بورقيبة" الذي كان يعجّ "بالنواورية", و انطلقت حملة الإستنطاقات و الإستجوابات و التي يشرّع لها قانون مكافحة الإرهاب كلّ الطّرق من أجل العثور على أصحاب "الخلط الفاسدة "على حد قول المحقق ليث .
يعتبر مثل هذا النوع من المسرح دعوة للتفكير في معنى أن يكون للفرد الحق في المشاركة السياسية و إبداء الرأي و التعبير بكلّ حرية مثلما هو الحال في أنّ له واجب عليه القيام به و إحترام ما ينصّ عليه الدستور المنظّم للبلاد, و أريد التّوقف أمام مشهد يدعو للتساؤل و هي اللحظة التي توجّه فيها جلّ الفريق المشارك في المسرحية نحو الجمهور مشيرين إليهم بأصابعهم و كأنّني بهم في هذا المشهد يشهدون كل مواطن و مكونات المجتمع المدني على تحمّل مسؤولياتهم و التحرك تجاه واقع لا نريد له أن يتردّى أكثر فأكثر جرّاء ظواهر متطرّفة صارت تطبعه, و هنا استرجعت ذاكرتي ما قرأت لا ما عشت من خلال مسرحية "غسّالة النوادر" لفرقة المسرح الجديد سنة 1980 فوجدت صورة قريبة لهذا التصوّر الإبداعي حسب رأيي, إذ يقول النّص :
و اللّي متّكي على حيط يتفرج
و اللّي مصدّر ما عندو ما يعمل
ما تتعدّى كان بماخذة الخاطر
و سؤالي إلى المخرج هل أنّ هذا الإصبع هو إصبع إتهام أم تحميل للمسؤولية ؟
و يتواصل التلاحق و كأنّ أمّ أمل لازالت تبحث عن ضالتها المنشودة و كأن الأمّ التي تسعى وراء إسترجاع أمل بميدعتها الزرقاء و محفظتها الحمراء قد أصيبت باليأس, لتكون رغبة أمل في شقّ طريقها بين رحلة الأربعين و الإختلاء بالنّفس أقوى و أشدّ نفسا, غير أنّ حالة الدّوران ظلّت طاغية على جلّ مشاهد العمل المسرحي لتجد "كعبة يوسف" أو زوجته ضالتها المنشودة يترنّح على أرصفة الطرق يتبوّل تحت الحائط, و قد تحول لسكّيريعاقر الخمرة كل ليلة بعد أن خرج بخفّي حنين عقب تجربة طويلة قضّاها في خدمة الوطن يزاحم فيها الجلادين مستعرضا فيها شتىّ قدراته في فنون التعذيب .
نعم هو قدّور بمسطرته الحديدية التي افتكّها من معلّم مسكين أظنّه كان نزيل ردهات قصره و قد كان يشهد له بالقوة فأذاق كلّ من اليساريّين و الإسلاميّين ألوانا مختلفة من التّعذيب . و مثلما أبدع قدّور بمسطرته الحديدية التي تنهال على ركبتي يوسف المسكين أبدع جمال مدني في تجسيد هذا الدور و تقمّص نفسيّة شخصيّة صعبة المراس, فجمال مدني له قوّة خاصة و تجسيم رائع و لعلّي سأسمح لنفسي بأن أعتبره مستقبل الرّكح المسرحي .
وكانت عصا قدّور تنهال و لازالت على كلّ جسد يتجرّأ على تبنّي أو حمل أي فكرة مخالفة للتّمشّي و التصوّر القائم ليكون الجسد ملجأ للكبت و الإختناق الفكري و ليكون العقاب بشتّى أنواعه نتاجا منطقيا لكلّ من يحاول إعمال الفكر و من يتجرأ على ذلك فساعد قدّور جاهز ليهوي بمسطرته و يهشّم ركبتي كلّ من تسوّل له نفسه تجاوز الخطوط الحمراء, فقدّور لا رأي له و لا قرار, لا في أحوال الطّقس و لا في الرياضة و لا في الأمور الدينيّة و الدنيويّة, طريق واحد هو تنفيذ الأوامر. تواصل جليلة بكار محاكاة النفس المقهورة و "الرجال المغلوبة" لتتمكّن من جلب قدّور و وضعه في مواجهة مع يوسف إشارة منها إلى إقامة نوع من التحالف بين السّلطة و اليسار في محاولة أخيرة للحوار, و إنطلقت أمّ أمل في سرد مذكّرات كتبها يوسف تصف فترات التعذيب و أشكالها و التي راح ضحيتها رفاق الدرب و النضال و لكن كما يقال العصا لمن عصا و قدّور على استعداد دائم و متواصل لضرب كل متمرّد مارق عن الصراط .
جرأة في طرح المواضيع ، تناسق في بسط الافكار لتترك كاتبة النص المجال رحبا لعشاق المسرح و متلقي مختلف الفنون على مراجعة الذات و تهذيب الذوق من أجل المطالبة كذلك بفن يرقى إلى مفهوم أنّه لن يغيّر الله ما بقوم حتّى يغيّروا ما بأنفسهم أو لمفهوم أعطيني مسرحا أعطيك شعبا كبيرا .
صابرعمري
جريدة المهاجر
باريس
elmouhager@voila.fr[/FONT]
--
:: Poster un commentaire
Ce
blog est hébérgé par centerblog. Créer un blog c'est simple, rapide et gratuit sur centerblog.net !
Signaler un abus